محمد غازي عرابي
735
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
أن اللّه اتخذ من الدماغ سببا للتفكير وجعله موضع التجزيء ، ولكن الدماغ بحد ذاته ليس شيئا من غير الروح ، والروح يستخدم الدماغ كما يركب السائق السيارة ويقودها ولكنه ليس هي ، ومآل السيارة المرآب ثم الفساد ، وهذا معنى قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا ، بل إن الأمر ليتعدى النهاية إلى الوجود نفسه ، إذ أن الإنسان من غير روح بيت خاو ، ولا أدل على هذا من حالات إصابة الإنسان بفقدان الذاكرة أو فقدان الوعي زمنا يطول أحيانا سنوات ، فالإنسان مركب ومطية . أما الناجون من صحراء الرمال هذه فهم المؤمنون ، والإيمان الحقيقي أن تعبد اللّه كأنك تراه ، ثم تراه في المظاهر ، ثم تفنى في الظاهر وتصير جزآ من الملكوت سائحا في الملكوت عالما بالملكوت . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 54 إلى 56 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 55 ) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 56 ) [ النمل : 54 ، 56 ] إتيان الفاحشة إتيان الذكران ، والذكر فاعل ، فهاهنا قام الإنسان بفعل عكسي ، فبدلا من أن يكتشف أنه هو المنفعل حتى يصل إلى اللّه الفاعل قام بدور الفاعل وهذا غير جائز لا في حق الإنسان ولا في حق اللّه الفاعل في الخلق عن طريق الأسماء والصفات الفواعل ، وثمت لطيفة في الأمر تذكر بقوله تعالى : لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى [ النّجم : 27 ] فالملائكة المعقولات ذكران لا إناث ، وهم الفواعل في الإنسان عن طريق الدماغ والإيحاء والإلهام ، ومن لم يع هذه الحقيقة كان بمثابة آل لوط الذين أتوا الذكران شهوة ، ولقد تحدثنا في كتابنا النصوص في مصطلحات التصوف عن كون الإنسان منكوحا لا ناكحا ، والمعنى كون الإنسان مخلوقا من عالم الإمكان القائم بعالم الوجوب ، فكل ما يفعله الإنسان هو من آثار فعل عالم الوجوب وهذا ما عبر عنه جلال الدين الرومي في قوله الذي أوردناه ، وقلنا في كتابنا فتح الوجود إن حركة اليد هي أمر إلهي ينتقل من الإرادة الإنسانية إلى الدماغ ثم من الدماغ إلى اليد عن طريق الأعصاب على شكل نبض وإشارات كهربائية ، فالفاعل هو اللّه والإنسان محل الفعل وواسطته ، ولهذا أوجب اللّه الغسل من الجنابة وبعد الجماع إشارة إلى هذه الحقيقة والتبري الإنساني من القوة والحول . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 57 ] فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ( 57 ) [ النمل : 57 ] النجاة لتعين الإنسان الكامل وأهله من الأعيان الثابتة وصحابته من الأعيان الظاهرين ،